محمود الكازروني ( قطب الدين محمود الشيرازي )
213
شرح حكمة الاشراق
إذا مالت الأجزاء إلى الافتراق ومنعها مانع ، دفعته ، أي : الأجزاء المائلة إلى التّفريق مانعها عنه ، إن كان لها قوّة ، على دفعه . ويحسّ هذا التّبديد في المتخلخلات ، كالماء وغيره من المائعات إذا تسخّنت . ولو ضممنا أجزاءها لانضمّت ورجعت إلى المقدار الأوّل . فتقرّر من هذا ، أنّ الجسم هو المقدار ، ومقادير العالم لا تزداد ولا تنقص أصلا ، وأن ليس للخردلة مادّة لها استعداد أن تقبل مقادير العالم كلّه ، كما التزم به المشّاؤون ، وهذا ، أي : كون الجسم هو المقدار وما يتبع هذا الرّأى ممّا ذكره ، رأى الأقدمين ، والأوّلين ، من الحكماء ، لا الآخرين منهم ، كأرسطو وشيعته من المشّائين . وما يقال ، في بيان أنّ المقدار زائد على الجسميّة لا نفسها ، وهو : « إنّ الجسم يحمل عليه أنّه ممتدّ ومتقدّر ، فيكون ، الامتداد والمقدار ، زائدا عليه » ، لأنّ الشّىء لا يحمل على نفسه ، ليس بكلام مستقيم . فإنّا إذا قلنا : إنّ الجسم متقدّر ، لا يلزم أن يكون المقدار زائدا عليه ، لأنّ هذه إطلاعات عرفيّة ، والحقائق ، أي : حقائق الموجودات والمسائل العلميّة والحكميّة ، لا تبتنى على الإطلافات ، العرفيّة ، كما ابتنى هيهنا أنّ حقيقة الجسم غير المقدار على الإطلاق العرفىّ ، وهو أنّ الجسم متقدّر ، لما يجرى فيها من التّجوزّات ، فربما يأخذ الإنسان في ذهنه شيئيّة مع مقدار ، فيقول : الجسم شئ له مقدار فإذا رجع إلى الحقيقة لم يجد الشّىء إلّا نفس المقدار ، لأنّ الشّيئيّة ليست زائدة على المقدار ، بل نفسه . وإذا أطلق في العرف ، مثل قولهم « بعد بعيد » ، لا يدلّ على أنّ البعديّة ، وفي نسخة : « البعيديّة » ، في البعد شئ زائد عليه ، بل هو تجوّز ، كما يقال : « جسم جسيم » ، إذ لا يدلّ على أنّ الجسميّة أو الجسيميّة زائدة على الجسم . ويجوز أن يقال : « إنّ الجسم ممتدّ » ، بمعنى أنّ له امتدادا خاصّا في جهة متعيّنة ، فيرجع حاصله ، حاصل هذا الإطلاق ، إلى أنّ المقدار ذاهب في جهات مختلفة أو جهة متعيّنة وإلى نحو ذلك . من التّأويلات الصّحيحة . وقد عرفت أنّ الممتدّ بهذا المعنى زائد عليه ، وهو صحيح لا إشكال فيه .